حبيب الله الهاشمي الخوئي
86
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
قوله عليه السّلام : ثمّ ثبت ذلك - إلى آخره لما هدينا العقل بتلك المقدمات إلى هذا المطلب الأسنى فدل على أن الأرض لا تخلو في كلّ دهر وزمان من لدن خلق البشر إلى قيام القيامة من حجّة الهيّة ودريت أن الخليفة في الأوّل قبل الخليفة وفي الاخر بعدها لئلا يحتجّ أحد على اللَّه تعالى انّه تركه بغير حجّة للَّه عليه . الحديث الخامس في الكافي بإسناده إلى منصور بن حازم قال : قلت لأبي عبد اللَّه عليه السّلام : إن اللَّه أجلّ وأكرم من أن يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون باللَّه قال : صدقت قلت : إنّ من عرف أن له ربّا فقد ينبغي له أن يعرف أن لذلك الربّ رضا وسخطا وأنّه لا يعرف رضاه وسخطه إلَّا بوحي أو رسول فمن لم يأته الوحي فينبغي له أن يطلب الرسل فإذا لقيهم عرف أنّهم الحجّة وأنّ لهم الطاعة المفترضة فقلت للنّاس : أليس تعلمون أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله كان هو الحجة من اللَّه على خلقه قالوا : بلى ، قلت : فحين مضى عليه السّلام من كان الحجة قالوا : القرآن فنظرت في القرآن فإذا هو يخاصم به المرجى والقدرى والزنديق الَّذى لا يؤمن به حتّى يغلب الرّجال بخصومته فعرفت أن القرآن لا يكون حجّة إلا بقيم فما قال فيه من شيء كان حقّا فقلت لهم : من قيّم القرآن فقالوا : ابن مسعود قد كان يعلم وعمر يعلم وحذيفة يعلم ، قلت : كلَّه قالوا : لا ، فلم أجد أحدا يقال : انّه يعرف القرآن كلَّه إلَّا عليّا عليه السّلام وإذا كان الشيء بين القوم فقال هذا : لا أدرى وقال هذا : لا أدرى وقال هذا : لا أدري وقال هذا : أنا أدرى فأشهد أن عليّا كان قيّم القرآن وكانت طاعته مفروضة وكان الحجّة على النّاس بعد رسول اللَّه وأن ما قال في القرآن فهو حق فقال : رحمك اللَّه - إلى آخر الحديث . بيان هذا الحديث مشتمل على مطالب عقليّة مهّدت للزوم الحجّة على النّاس ما دامت الأرض باقية يأمرهم بالخير والصلاح ويهديهم إلى سبيل الرشاد ولابد أن يكون معه علم باللَّه وآياته . وتلك المطالب رتبت على أسلوب بديع وأساس متين الأوّل أنّ اللَّه أجل وأكرم من أن يعرف بخلقه بل الخلق يعرفون باللَّه وما أحسن هذا القول وأحلاه ويعلم منه أن منصور بن حازم كان حازما حاذقا في أصول العقائد